يقول الحق سبحانه وتعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيرا وسبحوه بكرةً وأصيلا .. لذا فما أجمل ما قيل عن المؤمن مع الذكر ، بأنه كالسمكة في الماء ،إذا خرجت منه ماتت ، وكذلك المؤمن مع الذكر ، إذا غفل عن ذكر ربه جل جلاله مات قلبه ..! ففي رحاب الذكر تتزكى نفسك ، وتتطهر روحك . وفي الحديث الصحيح يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل الذي يذكر ربه ، والذي لا يذكر ربه ، مثل الحي والميت " ..
فقس نفسك الآن على ضوء هذه القاعدة ، وسل نفسك منذ اللحظة أأنت إلى الحياة أقرب ، أم إلى الموت .؟!
تدمن ذكر الله فأنت حي إذن ، أما إذا غفلت عن ربك وخالقك ورازقك وموجدك سبحانه وتعالى ، فلا تخدع نفسك ، أو يخدعك شياطين الأنس ،
فما أنت سوى قبر يتحرك فوق الأرض..!!
هذا رسول الله يتحدث ..إن كل كلماته تتلألأ بين شفتيه ، وتحت كل كلمة إشراقها ونورها ، ومع كل معنى سمو وارتقاء وعز ، وعليك أن تفرّغ لهذه الكلمات قلبك .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنّ للهِ تعالى ملائكةً يطوفون في الطرق ، يلتمسون أهل الذكر ،
فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل ، تنادوا : هلموا ، هلموا إلى حاجتكم ، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ، فيسألهم ربهم وهو أعلم ما يقول عبادي ؟ قال: يقولون : يسبّحونك ، ويكبّرونك ، ويحمدونك ، ويُمّجدونك . فيقول : هل رأوني ؟ فيقولون: لا والله ما رأوك .فيقول : كيف لو رأوني ؟ فيقولون :لو رأوك كانوا أشد لك عبادة ، وأشد لك تمجيداً ، وأكثر لك تسبيحاً .. فيقول : فماذا يسألون ؟ قال: يقولون : يسألونك الجنة .قال : فيقول: وهل رأوها ؟ فيقولون : لا والله يا رب ما رأوها . قال : فيقول: فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً ، وأشد لها طلباً ، وأعظم فيها رغبة .قال: فممَ يتعوّذون ؟ قال: يقولون : يتعوّذون من النار. قال : فيقول: وهل رأوها قال: فيقولون : لا والله ما رأوها . فيقول: كيف لو رأوها ؟ قال : يقولون :لو رأوها كانوا أشد منها فراراً ، وأشد لها مخافة .قال : فيقول: أُشهدكم أني قد غفرت لهم . قال: فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم ، إنما جاء لحاجة .قال : فيقول :هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم ."متفق عليه ..هذا الحديث فيض من السماء .
ولذا فما أشد حاجة قلوبنا إلى مدارسة هذا الحديث والتذكير به : تذكير أنفسنا وأهلينا ، وزملائنا ، والناس أجمعين ..لأنه حديث شجي يعطر القلوب ويحييها ..
ويلاحظ أنه ذكر أن هناك ملائكة متخصصين في البحث عن أهل الذكر أينما كانوا : في بيت .. في حديقة .. في مدرسة .. في سيارة .. في مكان عمل …. فإذا وجدوا هذه الأجواء المعطرة فرحوا بها ، وتهللوا لها ، وأخذ بعضهم ينادي بعضاً إليها ، فيحيطونهم ، ويحفونهم بأجنحتهم ، فيتعطر المجلس بعبق سماوي خالص ، لاسيما وان السكينة تتنزل معهم ، والرحمة تغشى الجميع في تلك اللحظات
_ كما ورد ت الرواية الأخرى بذلك _ومن ثَمّ فلا شك أن لهذه النفحات أثرها الكبير على قلوب الجالسين ، فإذا تكررت ، في كل يوم مرة فإن آثاراً واضحة سوف يجدها هؤلاء القوم في حياتهم العملية في دنيا الناس ..
المهم أن يُحسنوا استقبال هذه النفحات ، ويُحسنوا كذلك استثمارها ، بعدم تضييعها أو التفريط فيها ..
أما أهل الغفلة فقد تخصصت بهم ولهم ومن أجلهم فرقٌ من الشياطين : يحببونهم في المعصية ودوائرها ، ويهيجونهم إليها ، ولا يتكلمون إلاّ في التفاهات بعيداً عن الله عز وجل ، لغة الشهوة هي اللغة السائدة بينهم ، ورائحة المعصية هي المتفشية فيهم . .
والأعجب أن يحسب هؤلاء المساكين أنهم بخير وفي أحسن حال ، وأن كل شيء جيد ، وعلى ما يُرام ، وأنهم يُحسنون صنعا ، وأنهم بهذا يكونون سعداء ...!!
ويقول الله عز وجل : (( نســوا الله ، فأنساهم أنفسهم )).. (( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ..)) ..
وفي الحديث إشارة إلى أن :بإمكانك أن تحوّل المجلس الذي تكون فيه إلى مجلس تتنادى له الملائكة ، وتحتفي به ، وأن تجعل كل مجلس تكون فيه مجلس يباهي الله به ويذكره في ملأ عنده .
بذلك تكون قد قررت أن تصبح شامة في وجه الدنيا لأنك مرتبط مباشرة بالسماء .