منتديات دلع  

العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز

وردة سورية

جزء من واقع المجتمع السعودي !!

ـآ‘لـ ً‘ـرٍآبـً‘ ـح


العودة   منتديات دلع > المنتديات العامة > المنتدى الإسلامي
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

المنتدى الإسلامي يختص بكل مواضيع ديننا الحنيف والامور الاسلاميه العامه والنصح والارشاد

الإهداءات

آية السيف .... هل ستنسخ آيات القرآن ؟؟؟؟؟

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 09-20-2007, 08:59 PM رقم المشاركة : 1
مدلع نشيط
 
تاريخ التسجيل : Sep 2007
رقم العضوية : 67337
المواضيع : 9
الردود : 241
مجموع المشاركات : 250
بمعدل : 0.80 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : ساهوك77 is on a distinguished road

معلومات إضافية
ساهوك77 غير متواجد حالياً

افتراضي آية السيف .... هل ستنسخ آيات القرآن ؟؟؟؟؟

هذا موضوع مهم احببت ان يطلع الاخوة والاخوات في العالم المسلمين .... يتكلم عن السلاح بيد خوارج الأمة الذي بات يقطعون به الآيات كما يقطعون بها رؤوس الناس ... إنها آية السيف .... اترككم مع بقية الموضوع الذي قمت بنقله من موقع اسلام أون لاين للإستفادة ....؟؟؟؟

الجدل حول آية السيف: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة

من قرأ القرآن مكيَّهُ ومدنيَّهُ ـ مائة وأربع عشرة سورة ـ لاح له بغير خفاء أن القرآن من أوله إلى آخره كتاب دعوة وحوار، خطاب للعقول، وإقامة للحجج، وتفنيد للشبهات، وبيان لحقائق الدين، ورد على أباطيل الخصوم، وإيضاح لآيات الله في الأنفس والآفاق. فهو كتاب هداية وبيان، كما قال تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" (الإسراء: 9) ولهذا سماه الله نورا "وأنزلنا إليكم نورا مبينا" (النساء: 174).

كما أنه يتعامل مع المخالفين له بسماحة منقطعة النظير، يدعو على بصيرة، ويجادل بالتي هي أحسن، ويدفع بالتي هي أحسن، ويأمر بالصبر على أذى الخصوم، والصفح عنهم، وترك أمرهم إلى الله يحكم بينهم يوم القيامة. كما يدعو إلى الدخول في السلم كافة، والإعراض عمن تولى عن الدخول في الإسلام، ولا يشرع القتال إلا لرد العدوان، وقتال من يقاتل المسلمين، أو يفتنهم عن دينهم، أو يعذب المستضعفين منهم ممن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وإذا اضطر المسلمون إلى القتال فعليهم أن يلتزموا بآداب وأخلاق تقفهم عند حدود الله، فلا يقاتلون إلا من يقاتلهم، ولا يقتلون امرأة ولا وليدا ولا شيخا ولا راهبا في صومعته ولا فلاحا يحرث أرضه ولا تاجرا في متجره، ولا يخربون عامرا، ولا يقطعون شجرا، ولا يفسدون في الأرض.

هذه التعاليم القرآنية الواضحة التي تدل عليها عشرات الآيات، بل مئاتها، ذهب بعض المفسرين القدامى إلى أنها فقدت فاعليتها، وأن كل هذه الآيات في المصحف! موجودة حسا، معدومة معنىً، أو باقية تلاوة منسوخة حكما‍‍، وبمعنى آخر، إن هذه الآيات ـ التي قدرها بعضهم بـ114 آية، وبعضهم بـ 140 آية، وبعضهم بـ200 آية ـ قد ألغتها وقضت عليها آية واحدة، أو جزء من آية، أطلقوا عليها (آية السيف).

فإذا استشهدت بقوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256) قيل لك: نسختها آية السيف.

أو بقوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" (النحل: 125) قيل لك: نسختها آية السيف.

أو بقوله عز وجل: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (الأنفال: 61) قالوا لك: نسختها آية السيف.

أو بقوله تعالى: "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" (النساء: 90) قيل: نسختها آية السيف.

أو بقوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم" (الممتحنة: 8) قيل: نسختها آية السيف!! ‍وهكذا الآيات الكثيرة الوفيرة.

كأنما أصبحت آية السيف نفسها سيفا يقطع رقاب الآيات، ويتركها جثة هامدة لا روح فيها ولا حياة، فهي متلوة لفظا ملغاة معنى. إذ حكم عليها بالإعدام!!

أي آية هي آية السيف؟

والعجب العجاب في هذا الأمر أنهم اختلفوا في تعيين هذه الآية -التي زعموها ناسخة لغيرها- أيّ آية هي من كتاب الله، وإن اتفقوا على أنها آية من سورة التوبة.

هل هي آية: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.." (التوبة: 5).

أو هي آية: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" (التوبة: 36).

أو هي آية: "انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله" (التوبة: 41).

أو هي آية: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).

بحث القضية من جذورها

ولا بد لنا أن نناقش هذه القضية الكبيرة مناقشة علمية هادئة، نؤصلها تأصيلا، ونردها إلى جذورها، وفق أصول الدين، وأصول الفقه، وأصول التفسير، وأصول الحديث، ولا نلقي القول جذافا، أو نتلقى كل ما في الكتب بالقبول، ونعتبرها قضايا مسلمة لا تقبل النقاش.

ومن هنا يجب علينا أن نبحث هنا بحثا عميقا حرا في عدة قضايا أساسية:

القضية الأولى: قضية النسخ في القرآن في ذاتها من حيث المبدأ، وهل هي قضية يقينية قطعية؟ أو هي قضية ظنية محتملة للخلاف؟

القضية الثانية: إذا سلمنا بمبدأ النسخ، وقامت الأدلة على جوازه ووقوعه في كتاب الله، فمتى يلزمنا القول بالنسخ؟ وهل كل ما قيل: إنه منسوخ، يقبل أم أن لذلك شروطا لا بد أن تتوافر؟

القضية الثالثة: إذا سلمنا بمبدأ النسخ، وقبلناه بشروطه، فهل هذه الشروط تنطبق على ما سموه (آية السيف)؟

وهنا يكون لزاما علينا أن نعين آية السيف أي آية هي؟ ثم نبين مناقضتها للآيات الكثيرة الأخرى، التي زعموها منسوخة بها؟ وأنه لا يمكن الجمع بين هذه الآيات وبينها. وأنها نزلت متأخرة عنها.

هذه القضايا الثلاث الكبيرة التي يجب أن تدرس وتبحث وتناقش بجدية وموضوعية في ضوء المسلمات والقواعد العلمية المقررة والمتفق عليها، سنبحثها هنا قضية بعد أخرى.




 

 

 

 

 



من مواضيع في المنتدى


التعديل الأخير تم بواسطة : ساهوك77 بتاريخ 09-20-2007 الساعة 09:19 PM .
رد مع اقتباس
قديم 09-20-2007, 09:06 PM رقم المشاركة : 2
مدلع نشيط
 
تاريخ التسجيل : Sep 2007
رقم العضوية : 67337
المواضيع : 9
الردود : 241
مجموع المشاركات : 250
بمعدل : 0.80 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : ساهوك77 is on a distinguished road

معلومات إضافية
ساهوك77 غير متواجد حالياً

افتراضي تتمة الموضوع

قضية النسخ في القرآن

مما لا يشك فيه مسلم: أن هذا القرآن كلام الله تعالى لفظا ومعنى، ليس لجبريل فيه إلا النزول به من السماء إلى الأرض: "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ" (الشعراء:193-195) وليس لمحمد منه إلا تلقيه وحفظه، ثم تبليغه للناس وتلاوته عليهم: "سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله.." (الأعلى: 6)، "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" (المائدة: 67)، "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" (النحل:44).

فهو "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" (هود: 1)، "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (فصلت: 42).

وإن الله تعالى أنزل هذا الكتاب، ليهتدي الناس بهداه، ويعملوا بموجبه، وينزلوا على حكمه، أيا كان موقعهم أو كانت منزلتهم، حكاما أو محكومين، يقول تعالى: "وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" (الأنعام: 155)، ويقول: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء" (الأعراف: 3)، ويقول: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" (النساء: 105)، ويقول: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق" (المائدة: 48)، ويقول: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) المائدة: 49.

فهذه النصوص كلها توجب على الأمة ـ بيقين لا ريب فيه ـ اتباع ما أنزل الله، والاحتكام إليه إذا اختلفوا، كما قال تعالى: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" (الشورى: 10) أي إلى ما في كتابه، فهو الذي تضمن حكمه سبحانه. وقال تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" (النساء: 59). وقد أجمعت الأمة على أن الرد إلى الله تعالى يعني: الرد إلى كتابه.

وقال تعالى في شأن قوم: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا" (النساء: 61).

فكيف يسوغ للمسلم –بغير برهان قاطع- أن يأتي بعد هذه البينات إلى بعض آيات من كتاب الله، ليقول عنها: إنها ملغاة بطل مفعولها! بغير برهان من الله، يا للهول من هذا القول!

ولكن هذا ما حدث، فقد شاع القول بأن في القرآن آيات منسوخة، وأخرى ناسخة، وصنفت في ذلك الكتب، وتوارثه الخلف عن السلف، وأصبحت وكأنها قضية مسلمة، مع أن القضية ليس فيها نص قاطع ولا إجماع متيقّن!




 

 

 

 

 



من مواضيع في المنتدى

رد مع اقتباس
قديم 09-20-2007, 09:19 PM رقم المشاركة : 3
مدلع نشيط
 
تاريخ التسجيل : Sep 2007
رقم العضوية : 67337
المواضيع : 9
الردود : 241
مجموع المشاركات : 250
بمعدل : 0.80 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : ساهوك77 is on a distinguished road

معلومات إضافية
ساهوك77 غير متواجد حالياً

افتراضي

فما أدلة القائلين بالنسخ إذن؟

1ـ الدليل الأول من القرآن:

أول الأدلة وأبرزها قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير. ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير. أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل" (البقرة: 106 - 108)، فهذه الآيات الكريمات هي عمدة القائلين بالنسخ.

ومعناها عند عامة العلماء أو جمهورهم: ما قاله ابن جرير الطبري في (جامع البيان) ونقله عنه الحافظ ابن كثير: قال: "ما ننسخ من آية.." ما ننقل من حكم آية إلى غيره، فنبدله ونغيره، وذلك: أن نحول الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. قال ابن كثير: وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب، لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء، ولحظ بعضهم أنه: رفع الحكم بدليل شرعي متأخر[1]. انتهى.

ومن أدلتهم من القرآن أيضا قوله تعالى: "وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون" (النحل: 101).

قالوا: المراد بالتبديل هنا: النسخ.

2ـ إقرار العلماء كافة بوجود النسخ:

ومن الأدلة على شرعية النسخ أن العلماء من قديم قالوا بمبدأ النسخ، وذهبوا إلى أن في القرآن آيات منسوخة، وإن اختلفوا فيها اختلافا كثيرا، فهذا يقول بنسخ هذه الآية، وآخر أو آخرون يعارضونه. ولكن المحصلة النهائية أنهم جميعا أقروا بقاعدة النسخ.

وقد ذكر ذلك في كتب التفسير كلها، كما ألفت كتب خاصة في الناسخ والمنسوخ في القرآن: لأبي عبيد، وأبي جعفر النحاس، وابن هبة الله الضرير، وابن العربي، وابن الجوزي، وغيرهم، ممن أحصاهم الدكتور مصطفى زيد -رحمه الله- في كتابه (النسخ في القرآن) وعقد لهم ولمؤلفاتهم فصلين كاملين من الباب الثاني في كتابه من: ص289، إلى: ص395، ومن الفقرات: 394 إلى 550.

ولكن الذي يتأمل ما جاء عن السلف فيما سموه (نسخا) يجد أن كثيرا منه ليس من النسخ المعروف عند المتأخرين في شيء، والآفة هنا تأتي دائما من إطلاق المصطلحات الحديثة موضع المصطلحات القديمة، مع تغايرهما وتباينهما، فقد كان المتقدمون من العلماء يريدون بالنسخ ما قد يسميه المتأخرون تخصيصا للعام أو تقييدا للمطلق، أو تفسيرا للمجمل، أو غير ذلك، ولا يعنون به (رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر).

وهذا ما نبه عليه المحققون من أمثال الإمام ابن القيم الحنبلي، والإمام الشاطبي المالكي، وهذا في المغرب، وذاك في المشرق.

يقول الإمام ابن القيم: "ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ، رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق وغيرها تارة، إما بتخصيص عام أو تقييد مطلق، وحمله على المقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحدث المتأخر".[2]

ويقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي: "الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد كانوا يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا. كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل متأخر نسخا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد".[3]

3ـ وجود المنسوخ بالفعل:

ومن أدلة القائلين بالنسخ: وجود المنسوخ بالفعل، وليس أدل على جواز الأمر من وقوعه بالفعل، فإن الوقوع أقوى من مجرد الجواز، فإن الشيء قد يكون جائزا ولا يقع.

ودليل الوجود بالفعل أمران:

الأول: وجود آيات متعارضة في القرآن، ولا يمكن الجمع بينها، ولا تفسير لهذا التعارض في كتاب الله، إلا أن إحداهما ناسخة والأخرى منسوخة. ولذلك أمثلة كثيرة ذكرها العلماء، مثل آية التخيير في الصوم: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون" (البقرة: 184) عارضتها الآية التي تليها: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (البقرة: 185)، فالآية الأولى خيرت بين الصيام ودفع الفدية: طعام مسكين، والآية الثانية ألزمت بالصيام "فليصمه".

وفي البقرة أيضا: آيتا النساء المتوفى عنهن أزواجهن، الآية الأولى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف" (البقرة: 234).

والآية الأخرى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف".

قالوا: الآية الأولى نسخت الآية الثانية، وإن كانت قبلها في المصحف.

الثاني: ما ذكرناه من أقوال عدد من مفسري القرآن بوقوع النسخ في أعداد من الآيات وفي عدد من سور القرآن مكيّه ومدنيّه.




 

 

 

 

 



من مواضيع في المنتدى

رد مع اقتباس
قديم 09-20-2007, 09:21 PM رقم المشاركة : 4
مدلع مجتهد

الصورة الرمزية deef
 
تاريخ التسجيل : Aug 2007
رقم العضوية : 58735
المواضيع : 6
الردود : 140
مجموع المشاركات : 146
بمعدل : 0.43 مشاركة في اليوم
العمر : 18
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : deef is on a distinguished road

معلومات إضافية
deef غير متواجد حالياً

افتراضي

جزاك الله خيرا




 

 

 

 

 



من مواضيع في المنتدى

رد مع اقتباس
قديم 09-23-2007, 02:38 PM رقم المشاركة : 5
مدلع نشيط
 
تاريخ التسجيل : Sep 2007
رقم العضوية : 67337
المواضيع : 9
الردود : 241
مجموع المشاركات : 250
بمعدل : 0.80 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : ساهوك77 is on a distinguished road

معلومات إضافية
ساهوك77 غير متواجد حالياً

افتراضي تكملة الموضوع

التضييق في دعاوى النسخ

على أن الذي يهمنا هنا أن نقرره ونبينه ونثبته، هو التضييق الشديد في دعاوى النسخ في كتاب الله، فإن الله تعالى لم ينزل كتابه إلا ليهتدى بهداه، ويعمل بأحكامه، وكل دعوى لنسخ آية أو بعض آية منه فهي على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل لا يقبل إلا ببرهان يقطع الشك باليقين.

ولو طبقنا ما وضعه علماء أصول الدين وعلماء أصول الفقه وعلماء أصول التفسير وعلماء أصول الحديث من ضوابط وشروط، فإننا لا نكاد نجد آية في القرآن الكريم مقطوعا بنسخها، وما لم يقطع بنسخه فيجب أن يبقى حكمه ثابتا ملزما كما أنزل الله تعالى، ولا ننسخه ونبطل حكمه بمحض الظن، فإن الظن لا يغني من الحق شيئا.

من شروط قبول النسخ

ومن شروط قبول النسخ عند من سلم به: أن يكون هناك تعارض حقيقي بين النص الناسخ، والنص المنسوخ، بحيث لا يمكن الجمع بينهما بحال من الأحوال، أما إذا أمكن الجمع ولو في حال من الأحوال، فلا يثبت النسخ؛ لأنه خلاف الأصل.

ولهذا رأينا شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) يرفض كثيرًا من دعاوى النسخ المروية عن بعض المفسرين إذا لم يجد تنافيا كاملا بين الناسخ والمنسوخ.

انظر قوله فيما رُوي عن قتادة في الآية الكريمة من سورة الأنفال: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (الآية:61)، فقد ذهب قتادة إلى أن هذه الآية كانت قبل نزول سورة (براءة)، فلما نزلت نسخت ذلك، بمثل قوله تعالى: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" وقوله: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" فأمرت بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: لا إله إلا الله.

وورد عن عكرمة والحسن البصري ما يوافق قول قتادة، وإن جعلا الآية الناسخة من براءة: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".

قال الطبري رحمه الله يرد هذه الدعوى:

"فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله -من أن هذه الآية منسوخة- فقول لا دلالة عليه من كتاب، ولا سنة، ولا فطرة عقل، وقد دللنا – في غير موضع من كتابنا هذا وغيره – على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائن ناسخا"[12].

كيف يعرف النسخ؟

نقل السيوطي في إتقانه عن العلامة ابن الحصار قوله: "إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا".

قال: "وقد نحكم به عند التعارض المقطوع به، مع علم التاريخ، لنعرف المتقدم والمتأخر".

قال: "ولا يعتمد في النسخ قول عوامّ المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بيّنة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعتمد فيه: النقل والتاريخ، دون الرأي والاجتهاد".

قال: "والناس في هذا بين طرفَيّ نقيض، فمن قائل: لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول، ومن تساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما"، انتهى.[13]

وأود أن أقول هنا: إني لا أعرف نقلا صريحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آية كذا نسخت آية كذا. ومن عرف ذلك فليدلني عليه.

وأما قول الصحابي: آية كذا نسخت آية كذا، فلا بد لقبوله من ثلاثة شروط:

الأول: أن يصح سنده عن الصحابي.

الثاني: ألا يكون قاله باجتهاد منه، ظنًا منه أن الآية معارضة للآية الأخرى، وقد لا يسلم له بذلك، فهو يكون رأيا منه يعارض برأي غيره.

الثالث: ألا تكون كلمة النسخ جارية على مفهوم المتقدمين، وهو ما يشمل: تخصيص العام، وتقيد المطلق، وتفصيل المجمل، والاستثناء والغاية وغيرها.

ويندر وربما يتعذر أن توجد لدينا آية تتحقق فيها هذه الشروط.

ومن المهم هنا أن ننتبه إلى أهمية الشرط الثالث هنا، فكثير من المتقدمين يقولون: آية كذا نسخت آية كذا، ولا يقصد بذلك ما يقصده المتأخرون بكلمة النسخ، فلم يكن هذا الاصطلاح قد استقر عندهم، كما استقر عند من بعدهم، وهو: رفع حكم شرعي بدليل متأخر، وهذا ما نص عليه المحققون من أمثال ابن القيم والشاطبي رحمهما الله. وقد سبق نقل قولهما.





 

 

 

 

 



من مواضيع في المنتدى

رد مع اقتباس
قديم 09-23-2007, 04:55 PM رقم المشاركة : 6
مدلع نشيط
 
تاريخ التسجيل : Sep 2007
رقم العضوية : 67337
المواضيع : 9
الردود : 241
مجموع المشاركات : 250
بمعدل : 0.80 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : ساهوك77 is on a distinguished road

معلومات إضافية
ساهوك77 غير متواجد حالياً

افتراضي

بحث في تعيين آية السيف:

قلنا: إن المفسرين، ومعهم الفقهاء: اختلفوا في تحديد (آية السيف) التي زعموا أنها نسخت ما نسخت من الآيات. وقد ذكروا آيات أربعا كلها من سورة التوبة. قيل عن كل منها: إنها آية السيف.

1ـ آية (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم):

ولعل أشهر الأقوال، هو: أن آية السيف هي قوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم" (التوبة: 5).

وهي – كما هو واضح – تأمر بقتل المشركين حيث وجدوا، وبأسر من لم يقتل منهم، وبحصارهم وتضييق الخناق عليهم. لكن: من هم المشركون المقصودون في الآية؟ ومتى يقتلون؟

إن الآيات التي قبل هذه الآية تقول:

بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة:1-4).

وانظر: كيف احترم عهد هؤلاء المشركين، الذين عاهدهم الرسول والمسلمون، فوفّوا بعهدهم معهم، ولم ينقصوهم شيئا، مما فرضته المعاهدة ولم يظاهروا عليهم عدوا، فأمر الله تعالى أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، فهذا من التقوى التي يحبها الله ويحب أهلها.

وبعد ما سموه آية السيف مباشرة نجد آية تقول:

" وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ" (التوبة: 6).

فهي تأمر بإجارة المستجير المشرك، وإتاحة الفرصة له حتى يسمع كلام الله، كما تأمر بأن يبلغ الموضع الذي يأمن فيه

(هنا ملحق ص: 138 من الطبري)

ثم تليها آيات أخر تعلل للأمر بقتلهم، وأنه لم يأت من فراغ ولا تعنت ولا اعتداء، فهم يصدون عن سبيل الله ولا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمة، ثم كيف نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دين الله، وهموا بإخراج الرسول، وبدءوا المؤمنين بالقتال أول مرة!!

يقول الأستاذ الدكتور مصطفى زيد في كتابه القيم عن (النسخ في القرآن):

فالمشركون الذين تتحدث عنهم آية السيف، هم إذن فريق خاص من المشركين: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم عهد، فنقضوه، وظاهروا عليه أعداءه. وقد برئ الله ورسوله منهم، وآذنهم بالحرب إن لم يتوبوا عن كفرهم، ويؤمنون بالله ربا واحدا، وبمحمد نبيا ورسولا.

وهؤلاء المشركون أعداء الإسلام ونبيه ليسوا هم كل المشركين، بدليل قوله جل ثناؤه قبل آية السيف: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، وبدليل الأخبار التي تظاهرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه حين بعث عليا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم – أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: "ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد- فعهده إلى مدته"، ثم بدليل قوله تعالى بعد آية السيف (7): "كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (التوبة:7).

وإنما هم قوم من المشركين، كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم عهد إلى أجل، فنقضوه قبل أن تنتهي مدته...، وقوم آخرون كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم عهد غير محدود الأجل. فهؤلاء وأولئك هم الذين أعلن الله عز وجل براءته هو ورسوله منهم، وأمهلهم أربعة أشهر من يوم الحج الأكبر (والمراد به يوم عيد النحر، وهو اليوم الذي نبذ إليهم فيه العهد على سواء)؛ ليسيحوا في الأرض خلالها حيث شاءوا، ثم ليحددوا فيها موقفهم من الدعوة إلى الإيمان بالله ربا واحدا: فإما تابوا فكان في استجابتهم لداعي الله خيرهم، وإلا فهي الحرب، وما تستتبعه من قتل وأسر وحصار وترقب[14]!

وإن الله جل ثناؤه ليبين لهم سبب حكمه هذا عليهم، في آيات تلي آية السيف..

أليسوا هم أئمة الكفر، يطعنون في دين الله، ويصدون الناس عن سبيله؟! ينقضون عهدهم مع رسول الله، ويظاهرون عليه أعداءه؟! ينافقون الرسول والمؤمنين، فيرضونهم بأفواههم، وتأبى قلوبهم أن تعتقد ما يقولون؟! ينكثون أيمانهم، فيهمون بإخراج الرسول، ويبدءون المؤمنين بالقتال في بدر؟! يتربصون بالمؤمنين، ويترقبون فرصة للانقضاض عليهم، دون رعاية لعهد ولا ذمة؟!

بلى، فليقاتلهم المؤمنون إذن؛ ليعذبهم الله بأيدي من يريدون هم أن يعذبوهم، وليخزيهم ويذلهم، ولينصر المؤمنين عليهم، فيشفى صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم!.. ثم ليتوب على من أراد له التوبة والسعادة في الدنيا والآخرة[15].

ليست الغاية إذن من قتالهم هي إكراههم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح، وما كانت (الغاية) قط هذا الإكراه...

ولا أدل على هذا من قول الله عز وجل لنبيه، في الآية التي تلي آية السيف دون فاصل: " وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ " (التوبة:6)؛ فإن في هذه الآية أمرًا من الله عز وجل لرسوله بأن يجير من يستجير به من المشركين، ثم يدعوه إلى الإيمان بالله، ويبين له ما في هذا الإيمان من خير له، فإن هو ـ بعد هذا ـ أصر على ضلاله، واستمرأ البقاء على كفره بالله، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه المكان الذي يأمن فيه، فعلى الرسول أن يجيبه إلى طلبه، وأن يؤمنه حتى يصل إلى ذلك المكان.

هذا إلى تلك الآية التي تنفي جنس الإكراه في الدين نفيا صريحا قاطعا، وتعلل لهذا النفي حيث تقول: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي) (البقرة: 256)، والآية الأخرى التي تستبعد أن يستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم إكراه الناس على الإيمان، حتى لتحكم باستحالة هذا الإكراه إذا تقول: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس: 99).

وإنما شرع القتال في الإسلام لتأمين الدعاة إليه، ولضمان الحرية التي تكفل لهم إبلاغ دعوته، ودرء الشبه عن عقيدته، بالمنطق السليم، والحجة المقنعة.

ومن أجل هذا خص أئمة الكفر بالأمر بقتالهم؛ لأنهم يحولون بالقوة بين الدعاة والشعوب التي يجب أن تدعى. ومن أجله علل الأمر بالقتال –ضمن ما علل به – بصد المشركين للناس عن سبيل الله، وقتالهم المؤمنين به. ومن أجله كذلك كان السبب في نبذ عهد فريق من المشركين إليهم أنهم نقضوه، فأعلنوا الحرب على الدعوة، وظاهروا أعداءها عليها!..

فإذا ما هيئت للدعاة وسائل الدعوة في أمن وحرية – فلا حرب ولا قتال؛ لأن دين الله حينئذ سيهدي بنوره كل ضال، ولأن بطلان الشرك بالله سيتضح يومئذ لكل مشرك، فلن يصر عليه إلا جاحد معاند مكابر في الحق، وهؤلاء قلة لا يؤبه لها، ولا بد منها في كل مجتمع؛ لتتحقق كلمة الله جل ثناؤه: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" (يونس:99)!.[16]انتهى.

ومما يذكر هنا: أن هناك من مفسري السلف من قال: أن آية السيف هذه منسوخة: نسختها آية أخرى في سورة محمد، وهي قوله تعالى: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها" (محمد: 4).

روى أبو جعفر النحاس هذا عن الحسن، وعن عطاء، وعن الضحاك، والسدي، فهم لا يجيزون قتل الأسير، لقوله تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء).

وروى نحو ذلك ابن جرير الطبري.

وروى الطبري عن الضحاك والسدي عكس ذلك، كما روى عن قتادة ومجاهد، بل ورد عن ابن عباس أيضًا: أن آية (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) نسخت آية : (فإما منا بعد وإما فداء).

وهناك قول ثالث روي عن ابن زيد: أن الآيتين جميعا محكمتان، وهو ما اختاره الطبري، حيث رد دعوى النسخ، لإمكان الجمع بين الآيتين، ولا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بينهما بوجه من الوجوه.

وكذلك قال النحاس في قول ابن زيد: وهو صحيح جيد بيّن، لأن إحدى الآيتين لا تنفي الأخرى.[17]

وهو ما أيده الإمام ابن عطية في تفسيره، معلقًا على قول ابن زيد: إن الآيتين محكمتان، قال: وقوله هو الصواب. والآيتان لا يشبه معنى واحدة معنى الأخرى.

ذلك بأن هذه الآية (فاقتلوا المشركين... وخذوهم واحصروهم): أفعال، إنما تتمثل مع المحارب المرسل المناضل، وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم، وإذا أخذ الكافر (أسر) خرج عن درجات هذه الآية، وانتقل إلى حكم الآية الأخرى، وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير، فقول ابن زيد هو الصواب[18]. انتهى.




 

 

 

 

 



من مواضيع في المنتدى

رد مع اقتباس
قديم 09-23-2007, 04:58 PM رقم المشاركة : 7
مدلع نشيط
 
تاريخ التسجيل : Sep 2007
رقم العضوية : 67337
المواضيع : 9
الردود : 241
مجموع المشاركات : 250
بمعدل : 0.80 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : ساهوك77 is on a distinguished road

معلومات إضافية
ساهوك77 غير متواجد حالياً

افتراضي

2 ـ آية (وقاتلوا المشركين كافة):

ومن الآيات التي قيل عنها: إنها آية السيف: قوله تعالى في سورة التوبة أيضًا: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين" (التوبة: 36).

وهي جزء من آية كريمة جاءت في سياق تعظيم الأشهر الحرم، التي لها حرمة خاصة، ينبغي أن تعظم، ويقدر قدرها، ومن ذلك: تحريم القتال فيها، فإنه من ظلم النفس الذي حرمه الله فيها. يقول تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" (التوبة:36).

فهذه الآية التي يزعمون أنها آية (قطع الرقاب) أو (آية السيف) تأتي في سياق تحريم القتال في الأشهر الحرم، أي فرض هدنة إجبارية على المسلمين إذا كتب عليهم القتال وهو كره لهم: أن يغمدوا السيوف، ويكفوا عن القتال أربعة أشهر في العام: ثلاثة سرد، أي متتابعة، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد، أي منفرد وحده، وهو: رجب. أي يفرض عليهم ثلث العام هدنة للمسلم.

ثم يقول تعالى في الآية: "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً" (التوبة:36)، فهي من باب المعاملة بالمثل، ومن عامل خصمه بمثل ما يعامله فما ظلمه.

وقد فسر الإمام الطبري الآية فقال: يقول جل ثناؤه: وقاتلوا المشركين بالله –أيها المؤمنون– جميعا غير مختلفين، مؤتلفين غير مفترقين، كما يقاتلكم المشركون جميعا، مجتمعين غير مفترقين، ونقل عن ابن عباس وقتادة والسدي ما يسند ذلك[19].

وواضح من هذا التفسير لشيخ المفسرين: أنه اعتبر كلمة (كافة) حالا من الفاعل، أي من واو الجماعة في قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة). وهذا واضح من تفسيره، ومعناه: تجمعوا على قتال المشركين أيها المسلمون، كما يتجمع المشركون على قتالكم.

فهل تحمل هذه الآية بهذا المعنى أي دلالة من الدلالات التي يفهم منها قتال الناس كافة، من حاربنا منهم، ومن كف عنا وألقى إلينا السلم؟

وهناك احتمال آخر في الآية لم يذكره الطبري، وهو أن تكون (كافة) حالا من المفعول به[20] في الآية، وهو (المشركين) وضمير المفعول به في قوله: (يقاتلونكم) ويكون المعنى على ذلك: قاتلوا جميع المشركين كما يقاتلون جميع المسلمين. وحتى هذا ينبغي ألا يكون مثار كلام، لأنه معاملة بالمثل.

والعجيب أن نجد من العلماء من قال: إن هذه الآية – التي نسخت ما نسخت- منسوخة! ذكر ذلك ابن عطية – ونقله عنه القرطبي – عن بعض العلماء قال: كان الفرض بهذه الآية قد توجه على الأعيان، ثم نسخ ذلك، وجعل فرض كفاية.

قال ابن عطية: وهذا الذي قالوه لم يعلم قط من شرع النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ألزم الأمة جميعا النفر. وإنما معنى هذه الآية: الحض على قتالهم، والتحزب عليهم، وجمع الكلمة ثم قيدها بقوله: (كما يقاتلونكم كافة) فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا، يكون فرض اجتماعنا لهم.[21]

3ـ آية (انفروا خفافا وثقالا):

ومن الآيات التي ذهب بعض المفسرين قديما إلى أنها آية السيف: قوله تعالى في سورة التوبة: "انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله".

قالوا: هذه الآية لم تدع لأحد عذرا: أيا كان تفسير: (خفافا وثقالا) فقد وردت عدة تفسيرات لها: شبابا وشيوخا، عزابا ومتزوجين، ركبانا ومشاة، نشاطا وغير نشاط، أغنياء وفقراء.

والآية تحتمل هذه المعاني كلها، فكل منها، يحمل معنى الخفة والثقل بوجه من الوجوه.

فقد فهم بعض الصحابة من هذه الآية: أن الجهاد فرض عين في كل حال، ولا يجوز للمسلم أن يتركه، ما دام قادرًا عليه، وإن بلغ من الكبر عتيا.

روي ذلك عن أبي طلحة الأنصاري، وأبي أيوب الأنصاري، والمقداد بن الأسود[22]. كما روى عن سعيد بن المسيب.

قال البغوي: قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب رحمه الله إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر! فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب، كثرت السواد وحفظت المتاع!

وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند صحيح عن أنس: أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية، فقال: ألا أرى ربي يستنفرني، شابا وشيخا؟ جهزوني! فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، فما تغير![23]

وقد ذكر الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: أن هذه الآية: "انفروا خفافا وثقالا.." خوطب بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه، بحيث لا يتخلفون عنه، قال رحمه الله: إن الله جل ثناؤه: أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد وفي سبيله خفافا وثقالا، مع رسوله صلى الله عليه وسلم، على كل حال من أحوال الخفة والثقل[24]. فهو يرى الآية خطابا خاصا لأصحاب النبي في حياته.

والمراد بالخفة – كما يقول الإمام البقاعي: كل ما تكون سببا لسهولة الجهاد والنشاط إليه. (أي مثل الشباب والعزوبة والغنى والركوب والنشاط ونحوها) وبالثقل: كل ما يحمل على الإبطاء عنه (أي مثل الشيخوخة والزواج والفقر وعدم الركوبة والكسل ونحوها).

وقال أبو حيان: والخفة والثقل هنا: مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة، ومن يمكنه بصعوبة. وأما من لا يمكنه كالأعمى ونحوه، فخارج عن هذا[25]. انتهى.

وهذا يطابق الآية الكريمة في نفس السورة: "ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه" (التوبة: 120).

وكأنّ الإمام الطبري لا يقر ـ بتأويله الذي ذكرناه ـ ما ذهب إليه الصحابة الكرام الذين استنبطوا من الآية وجوب الجهاد عليهم بصفة دائمة، حتى بعد رسول الله، وحتى بعد كبر السن وثقل الجسم.

والواضح أن من تدبر الآية الكريمة، وقرأ سباقها وسياقها، تبين له بجلاء: أن هذه الآية جاءت في سياق من استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد، فلا يجوز أن يتقاعسوا عن الاستجابة له، ويثاقلوا إلى الأرض، ومثله إذا استنفرهم كل ولي للأمر بعده، كما قال عليه الصلاة والسلام: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، إذا استنفرتم فانفروا".[26]

ولهذا ذكر الحافظ بن حجر في (الفتح) ردا على من استدل بآية (انفروا خفافا وثقالا) على أن الجهاد فرض عين على كل حال: أن الأمر في هذه الآية مقيد بما قبلها، لأن الله تعالى عاتب المؤمنين الذين يتأخرون، بعد الأمر بالنفير، ثم قال: (انفروا خفافا وثقالا)[27].

كأن القرآن يقول: إذا قيل لكم: انفروا في سبيل الله، فانفروا خفافا وثقالا، ولا تثاقلوا عن النفير، وإلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم، فالأمر بالنفير هنا مبني على الاستنفار قبله.

وقد رد العلامة ابن قدامة على من احتجوا بآية (انفروا خفافا وثقالا) على أن الجهاد فرض عين: بقوله تعالى: "فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء:95)، وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، كما استدل بقوله تعالى: "وما كان المؤمنون لينفروا كافة، ولولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا" (التوبة: 122)، ولأن الرسول كان يبعث السرايا: ويقيم هو وسائر أصحابه. قال: ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي إلى غزوة تبوك، وكانت إجابته واجبة عليهم، ولهذا هجر النبي كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا، حتى تاب الله عليهم[28]. انتهى.

4 ـ آية قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية:

ومن الآيات التي زعموا أنها (آية السيف): آية سورة التوبة في قتال أهل الكتاب، وهي قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).

قالوا: هذه الآية تأمر بقتال أهل الكتاب الذين وصفتهم الآية بما وصفتهم به، من اليهود والنصارى، ولم تشترط لقتالهم: أن يكونوا قاتلوا المسلمين، وعلى الذين آمنوا أن يقاتلوا هؤلاء حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

ومن الواضح لمن تدبر آيات القرآن، وربط بعضها ببعض: أن هذه الآيات نزلت بعد غزوة تبوك، التي أراد النبي فيها مواجهة الروم، والذين قد واجههم المسلمون من قبل في معركة مؤتة، واستشهد فيها القواد الثلاثة الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم على التوالي: زيد بن حارثه، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة.

فالمعركة مع دولة الروم كانت قد بدأت، ولا بد لها أن تبدأ، فهذه الإمبراطوريات الكبرى لا يمكن أن تسمح بوجود دين جديد يحمل دعوة عالمية، لتحرير البشر، من العبودية للبشر: "أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" (آل عمران: 64).

وهم الذين بدءوا المسلمين بقتل دعاتهم والتحرش بهم، وهو المعهود والمنتظر منهم، فهذه معركة حتمية لا بد أن يخوضها المسلمون، وهي كره لهم.

الرسول الكريم أقدم على غزوة تبوك حين بلغه أن الروم يعدون العدة لغزوه في عقر داره في المدينة، فأراد أن يغزوهم قبل أن يغزوه، ولا يدع لهم المبادرة، ليكون زمامها بأيديهم. وهذا من الحكمة وحسن التدبير.

فالآية الكريمة هنا تأمر باستمرار القتال لهؤلاء الروم الذين يزعمون أنهم أهل كتاب، وأنهم على دين المسيح، وهم أبعد الناس عن حقيقة دينه.

ولكن هذه الآية لا تقرأ منفصلة عن سائر الآيات الأخرى في القرآن، فإذا وجد في أهل الكتاب من اعتزل المسلمين، فلم يقاتلوهم، ولم يظاهروا عليهم عدوا، وألقوا إليهم السلم، فليس على المسلمين أن يقاتلوهم، وقد قال الله تعالى: في شأن قوم من المشركين: "فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً" (النساء:90).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوا الحبشة ما ودعوكم"[29] والحبشة نصارى أهل كتاب، كما هو معلوم.

وقال العلامة رشيد رضا: في تفسير قوله تعالى: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" هذه غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهي بها إذا كان الغلب لنا، أي قاتلوا من ذكر: عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم، أو على بلادكم، أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم، أو تهديد أمنكم وسلامتكم، كما فعل الروم، فكان سببا لغزوة تبوك، حتى تأمنوا عدوانهم بإعطائكم الجزية في الحالين اللذين قيدت بهما، فالقيد الأول لهم، وهو: أن تكون صادرة عن يد أي قدرة وسعة، فلا يظلمون ويرهقون، والثاني لكم، وهو: الصغار المراد به كسر شوكتهم، والخضوع لسيادتكم وحكمكم، وبهذا يكون تيسير السبيل لاهتدائهم إلى الإسلام بما يرونه من عدلكم وهدايتكم وفضائلكم، التي يرونها أقرب إلى هداية أنبيائهم منهم. فإن أسلموا عم الهدى والعدل والاتحاد، وإن لم يسلموا كان الاتحاد بينكم وبينهم بالمساواة في العدل، ولم يكونوا حائلا دونها في دار الإسلام.

والقتال لما دون هذه الأسباب التي يكون بها وجوبه عينيا أولى بان ينتهي بإعطاء الجزية، ومتى أعطوا الجزية: وجب تأمينهم وحمايتهم، والدفاع عنهم، وحريتهم في دينهم بالشروط التي تعقد بها الجزية، ومعاملتهم بعد ذلك بالعدل والمساواة كالمسلمين، ويحرم ظلمهم وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون كالمسلمين، ويسمون (أهل الذمة) لأن كل هذه الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة الله وذمة رسوله. وأما الذي يعقد الصلح بيننا وبينهم بعهد وميثاق، يعترف كل منا ومنهم باستقلال الآخر فيسمون (أهل العهد) والمعاهدين.[30]

وقال العلامة الشيخ محمود شلتوت في رسالته (القرآن والقتال):

(وقد جاء في سورة التوبة بعد هذه الآيات آيتان ربما أوهم ظاهرهما خلاف ما تقرر هذه الآيات في سبب القتال، نسوقهما هنا، ونبين ما يدلان عليه في ضوء الآيات المتقدمة التي تعتبر ـ لكثرتها ووضوحها ـ أصلا في مشروعية القتال وسببه يجب أن يتحاكم إليه ويخرج ما سواه عليه.

أولا: قوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).

ثانيا: قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين" (التوبة: 123).

فالآية الأولى تأمر المسلمين باستمرار مقاتلة طائفة هذه صفتها (لا يؤمنون بالله، : إلخ) قد ارتكبت من قبل مع المسلمين ما كان سببا للقتال من نقض عهد وانقضاض على الدعوة، ووضع للعراقيل في سبيلها، فهي لا تجعل عدم الإيمان وما بعده سببا للقتال، ولكنها تذكر هذه الصفات التي صارت إليهم، تبيينا للواقع، وإغراء بهم مع تحقق العدوان منهم؛ غيروا دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دونه، يحللون لهم بالهوى ويحرمون، غير مؤمنين بتحليل الله ولا تحريمه، وليس عندهم ما يردعهم عن نقض عهد، ولا مصادرة حق، ولا رجوع عن عدوان وبغي.

هؤلاء هم الذين تأمر الآية باستمرار قتالهم حتى تأمن شرهم، وتثق بخضوعهم، وانخلاعهم من الفتنة التي يتقلبون فيها، وجعل القرآن على هذا الخضوع علامة، هي دفعهم الجزية، التي هي اشتراك فعلي في حمل أعباء الدولة، وتهيئة الوسائل إلى المصالح العامة للمسلمين وغير المسلمين.

وفي الآية ما يدل على سبب القتال الذي أشرنا إليه وهو قوله تعالى: (وهم صاغرون)، وقوله: (عن يد) فإنهما يقرران الحال التي يصيرون إليها عند أخذ الجزية منهم، وهي خضوعهم، وكونهم بحيث يشملهم سلطان المسلمين؛ وتنالهم أحكامهم، ولا ريب أن هذا يؤذن بسابقية تمردهم، وتحقق ما يدفع المسلمين إلى قتالهم.

هذا هو المعنى الذي يفهم من الآية، ويساعد عليه سياقها، وتتفق به مع غيرها، ولو كان القصد منها أنهم يقاتلون لكفرهم، وأن الكفر سبب لقتالهم لجعلت غاية القتال إسلامهم، ولما قبلت منهم الجزية وأقروا على دينهم.

أما الآية الثانية: (قاتلوا الذين يلونكم...) فليست واردة مورد الآيات السابقة في بيان سبب القتال وما يحمل عليه، وإنما جاءت إرشادا لخطة حربية عملية تترسم عند نشوب القتال المشروع فعلا، فهي ترشد المسلمين إلى وجوب البدء عند تعدد الأعداء بقتال الأقرب فالأقرب عملا، على إخلاء الطريق من الأعداء المناوئين، وتسهيلا لسبل الانتصار.[31]

وهذا المبدأ الذي قرره القرآن من المبادئ التي تعمل بها الدول المتحاربة في هذا العصر الحديث، فلا تخطو دولة مهاجمة خطوة إلا بعد إخلاء الطريق أمامها، والاطمئنان إلى زوال العقبات من سبيلها.

وبهذا يتبين أنه لا صلة للآيتين بسبب القتال الذي تضافرت الآيات الأخرى على بيانه[32]. انتهى.

بعض الآيات التي ادَّعوا نسخها بآية السيف:

لا يتسع المجال هنا لنتعرض للآيات الكثيرة والوفيرة التي زعموا أنها نسخت بآية السيف، فهذا ذكره يطول.

فإنهم لم يتركوا آية تدعو إلى الرفق واللين، أو العفو والصفح، أو الصبر والدفع بالتي هن أحسن، أو غير ذلك مما هو أساس في مكارم الأخلاق التي أعلن محمد عليه الصلاة والسلام أنه بعث ليتممها – إلا قالوا عنها: نسختها آية السيف.

فقوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل: 125) قالوا : نسختها آية السيف.

وقوله تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" (فصلت: 34) قالوا: نسختها آية السيف.

وقوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256) قالوا: نسختها آية السيف.

وقوله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف: 199) قالوا: نسختها آية السيف.

وقوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (الأنفال: 61) قالوا: نسختها آية السيف.

وقوله تعالى: "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" (النساء: 90) قالوا : نسختها آية السيف.

وقوله تعالى لرسوله: "واتبع ما يُوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين" (يونس: 109) قالوا: نسختها آية السيف.

ومثلها كل ما أمر فيه الرسول بالصبر، مثل قوله تعالى: "فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون" (الروم: 60)، وقوله تعالى: "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم" (الأحقاف: 35)، وغيرها.




 

 

 

 

 



من مواضيع في المنتدى

رد مع اقتباس
قديم 09-23-2007, 05:02 PM رقم المشاركة : 8
مدلع نشيط
 
تاريخ التسجيل : Sep 2007
رقم العضوية : 67337
المواضيع : 9
الردود : 241
مجموع المشاركات : 250
بمعدل : 0.80 مشاركة في اليوم
معدل التقييم : 10
معدل تقييم المستوى : ساهوك77 is on a distinguished road

معلومات إضافية
ساهوك77 غير متواجد حالياً

افتراضي تتمة الموضوع

وسنختار هنا بعض هذه الآيات مما يحتاج إلى بيان في موضوع الجهاد والقتال، لنلقي عليها شعاعا، يبين الصواب من الخطأ، ويميز الحق من الباطل.

أـ آية (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم):

ومن الآيات التي ادعوا فيها أنها نسختها (آية السيف) قوله تعالى في سورة البقرة: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (البقرة: 190). والمراد: نسخت مفهومها. إذ مفهوم المخالفة في قوله "قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم": ألا نقاتل من لا يقاتلنا.

قال أبو جعفر النحاس:

قال ابن زيد[33]: هي منسوخة، نسخها: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" (التوبة: 36).

وعن ابن عباس: أنها محكمة، روى عنه ابن أبي طلحة: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" قال: لا تقتلوا النساء والصبيان ولا الشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده، فمن فعل ذلك فقد اعتدى.

قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح القولين، من السنة والنظر.

فأما السنة، فحدثنا بكر بن سهل قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فكره ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان[34]. وهكذا يروي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب: لا تقتلوا النساء والصبيان والرهبان في دار الحرب فتعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين.

قال أبو جعفر: والدليل على هذا من اللغة: أن (فاعَل) يكون من اثنين، فإنما هو من أنك تقاتله ويقاتلك، فهذا لا يكون في النساء ولا الصبيان، ولهذا قال من قال من الفقهاء[35]: لا يؤخذ من الرهبان الجزية، لقول الله عز وجل: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر..." إلى "..حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 23). وليس الرهبان ممن يقاتل، فصار المعنى: فقاتلوا في طريق الله وأمره: الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا، فتقتلوا النساء والصبيان والرهبان، ومن أعطي الجزية، فصح أن الآية غير منسوخة[36]. انتهى.

ونحن مع الإمام أبي جعفر النحاس في أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة، إذ الأصل في آيات القرآن هو الإحكام، وجاء حكمها ساريا نافذا، ولا نسخ إلا بدليل قاطع، ولا دليل. ونزيد على ما قاله أبو جعفر: أنها نهت بمفهومها عن قتال من لم يقاتلنا، ولم ينسخ هذا المفهوم أيضا.

ب ـ آية: (لا إكراه في الدين):

ومن الآيات التي قالوا: إن آية السيف نسختها قوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" (البقرة: 256).

والذي أراه: أن مثل هذه الآية لا تنسخ؛ لأنها معللة بعلة لا تقبل النسخ، فهي تبين أن الدين الحق –وهو دين الإسلام- لا يقبل الإكراه، ولا يجوز الإكراه، لعلة ظاهرة، وهو: أنه لا يحتاج إلى إكراه قط، لجلاء بنيانه، ووضوح دلائله، يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية: يقول تعالى: (لا إكراه في الدين): أي لا تكره أحدا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره له، ونور بصيرته: دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عاما. انتهى[37].

ومما يحتج به لهذا القول: ما ذكره أبو جعفر النحاس في (الناسخ والمنسوخ) بإسناده إلى زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق، قالت العجوز: أنا عجوز كبيرة، وأموت إلى قريب. فقال عمر: اللهم اشهد. ثم قال (لا إكراه في الدين)[38].

ورجح النحاس أن الآية مخصوصة بأهل الكتاب، لما رواه النسائي، بإسناده إلى ابن عباس قال: كانت المرأة تجعل على نفسها –إن عاش لها ولد- أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار! فقالت الأنصار: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

قال أبو جعفر: قول ابن عباس في هذا الآية أولى الأقوال لصحة إسناده، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي، فلما خبر أن الآية نزلت في هذا، وجب أن يكون أولى الأقوال، وأن تكون الآية مخصوصة.[39]

ونحن مع أبي جعفر النحاس، ومع ابن عباس رضي الله عنهما في أن الآية نزلت فيما ذكره من قصة الأنصار، ولكن المقرر عند جمهور العلماء: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولفظ الآية عام، يتناول السبب وغيره.

ومما يؤكد ما جاءت به هذه الآية من نفي الإكراه بصيغة مطلقة: ما جاء القرآن المكي من مثل قوله تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس:99) بهذا الاستفهام الإنكاري، وقوله تعالى على لسان نوح لقومه: "أَرَأَيْتُمْ إِن كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ" (هود:28).

ومما يؤيد ما دلت عليه الآية من النفي المطلق للإكراه في الدين: ما عللت به الآية ذلك. بقوله تعالى: (قد تبين الرشد من الغي) فلا حاجة إذن إلى الإكراه، ولا مبرر له.

جـ ـ آية (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها):

يقول الإمام ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها...).

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإما تخافن من قوم خيانة أو غدرا، فانبذ إليهم على سواء، وآذنهم بحرب، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحرب: إما بالدخول في الإسلام، أو بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح، فاجنح لها، بقول: فمل إليها وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه.

ثم ذكر الطبري قول قتادة وابن زيد بأن هذه الآية نسختها آية براءة (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)... إلخ ثم رد عليه قائلا: فأما قول قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة، فنقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة، ولا فطرة عقل.

قال: وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره، على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا[40]. انتهى.

د ـ من عجائب ما قالوا في النسخ:

ومن عجائب ما قالوا في النسخ في القرآن: ما قاله الإمام أبو بكر بن العربي: من أغرب آية في النسخ، قوله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف: 199)، أول الآية منسوخ، وآخرها منسوخ، وأوسطها محكم[41]!! يعني قوله تعالى (خذ العفو) منسوخ، وقوله: (وأعرض عن الجاهلين) منسوخ. وطبعا الناسخ هنا: آية السيف فيما يزعمون.

وهذا مع أن هناك من المفسرين من قالوا: إن هذه الآية جمعت مكارم الأخلاق، فكيف تنسخ، والرسول عليه السلام قد قال عن نفسه "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" أو مكارم الأخلاق"[42].

فأما قوله: (خذ العفو) ففسر بأخذ العفو من المال، وقيل: نسخته الزكاة المفروضة. وفسر بأنه أخذ العفو من أخلاق الناس، يعني الأمر بالاحتمال، وترك الغلظة والفظاظة، كما قيل وجاء هذا التفسير عن عبد الله وعروة ابني الزبير بإسناد صحيح[43].

قال النحاس: وهذا أولى ما قيل في الآية، لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يخبر بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يسع أحدًا مخالفته، والمعنى عليه: (خذ العفو): أي السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم، ولا تعنف بهم. وكذا كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم: أنه ما لقي أحدًا قط بمكروه في وجهه، ولا ضرب أحدًا بيده، وقيل لعائشة رضوان الله عليها: ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان خلقه القرآن[44].

ورجح الطبري أن هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم في علاقته بالكفار، أمره بالرفق بهم بدلالة السياق[45].

وخالفه غيره، فقال: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بالأخلاق السهلة اللينة لجميع الناس، بل هذا للمسلمين أولى، وقد قال ابن الزبير – وهو الذي فسر الآية: والله لأستعملن الأخلاق السهلة ما بقيت، كما أمر الله عز وجل[46]. فهو يراها محكمة باقية.

وفي الآية (وأمر بالعرف) والعرف: هو المعروف، وهو: أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وقد جاء هذا في الحديث.

ومنها: (وأعرض عن الجاهلين) زعم ابن زيد: أن هذا منسوخ بالأمر بالقتال، وقال غيره: ليست بمنسوخة، وإنما أمر باحتمال من ظلم. وما بعد هذه الآية يدل على ذلك: "وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله" (الأعراف: 200).

وقد فسر ابن القيم هذه الآية الكريمة تفسيرًا حسنًا في سياق حديثه عن جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف كان تعامله مع الناس.

قال رحمه الله في الهدي النبوي:

(فأمره -عز وجل- باتقاء شر الجاهلين بالإعراض عنهم، وباتقاء شر الشيطان بالاستعاذة منه، وجمع له في هذه الآيات مكارم الأخلاق والشيم كلها، فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بد له من حق عليهم يلزمهم القيام به، وأمر يأمرهم به، ولا بد من تفريط وعدوان يقع منهم في حقه، فأمر بأن يأخذ من الحق الذي عليه ما تطوعت به أنفسهم وسمحت به، وسهل عليهم، ولم يشق، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضرر ولا مشقة، وأمر أن يأمرهم بالعرف، وهو المعروف الذي تعرفه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وتقر بحسنة ونفعه، وإذا أمر به يأمر بالمعروف أيضا لا بالعنف والغلظة. وأمره أن يقابل جهل الجاهلين منهم بالإعراض عنه، دون أن يقابله بمثله، فبذلك يكتفي شرهم.)[47]

ومن الخطأ البين، أن يعتبر كل أمر جاء به القرآن بالإعراض عن المشركين: منسوخًا بآية السيف، فهذا من التوجيه الخلقي، في القرآن، وتكوين الجانب الأخلاقي في الشخصية الإسلامية.

وقد جاءت عدة آيات تأمر بذلك، وذكر ابن كثير وغيره في تفسيرها: أنها محكمة غير منسوخة.

منها ما جاء في سورة الأنعام: "اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" (الأنعام: 106)، فهو مأمور أن يتبع وحي الله إليه، مؤتمرا بأوامره، منتهيا عن نواهيه، معرضا عن المشركين، غير مبال بهم، وفي سورة الحجر: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" (الحجر: 94).

أمره أن يصدع بما أمره الله به، مبلغا رسالة ربه، ولا يبالي بالمشركين الذين يقفون في وجهه، ويصدون عن سبيله.

وفي سورة السجدة يقول تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ* قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ" (الآيات: 28 - 30).

يذكر القرآن هنا: أن المشركين يستعجلون يوم الفتح، وهو يوم القضاء والفصل بينهم وبين المسلمين. وهو: إما يوم القيامة، الذي يفصل الله فيها بين الخلائق جميعا، أو يوم العذاب الذي ينزل الله فيه بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وإن أي لم ينفع هؤلاء الإيمان لو آمنوا؛ لأنه إيمان المضطر الذي لم يعد له خيار، فلا يقبل كما قال تعالى: "فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا" (غافر:85).

فأمر الرسول أن يعرض عنهم، كما قال ابن كثير: أي أعرض عن هؤلاء المشركين، وبلغ ما أنزل إليك من ربك، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك، سينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد، وقوله: (إنهم منتظرون): أي أنت منتظر، وهم منتظرون، يتربصون بكم الدوائر، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم... إلخ[48].

وفي سورة النجم يقول تعالى: "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم" (النجم: 29 - 30). والإعراض في الآية لا يخرج عن معناه في الآيات السابقة، وهو الذي مدح الله به جماعة من المؤمنين بقوله: "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين" (القصص: 55).

ومثل الأمر بالإعراض: الأمر بالتولي عن المشركين، كما قال تعالى: "فتولّ عنهم حتى حين" (الصافات: 171)، وقوله: "فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر" (القمر: 6)، وقوله: "فتولّ عنهم فما أنت بملوم" (الذاريات: 54).

وكما أمر الرسول الكريم أن يعرض عن المشركين: أمر أيضًا أن يعرض عن المنافقين، كما في قوله تعالى في سورة النساء: "أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا" (النساء: 63).

وفي نفس السورة يقول سبحانه عن هؤلاء المنافقين: "وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ