للجن قدرة على التشكل بصورة الإنسان والحيوان، ويراه الإنسان على هذه الصور، صرحت بذلك نصوص السنة النبوية، فقد تمثل الشيطان لعدد من الصحابة؛ فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ فَكَانَتْ تَجِيءُ الْغُولُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ، قَالَ: فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ e قَالَ: "فَاذْهَبْ فَإِذَا رَأَيْتَهَا فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ e" قَالَ: فَأَخَذَهَا فَحَلَفَتْ أَنْ لاَ تَعُودَ فَأَرْسَلَهَا فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَقَالَ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ"؟ قَالَ: "حَلَفَتْ أَنْ لاَ تَعُودَ". فَقَالَ: "كَذَبَتْ وَهِيَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ" قَالَ: فَأَخَذَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَحَلَفَتْ أَنْ لاَ تَعُودَ فَأَرْسَلَهَا. فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ e فَقَالَ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ"؟ قَالَ حَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ فَقَالَ: "كَذَبَتْ وَهِيَ مُعَاوِدَةٌ لِلْكَذِبِ". فَأَخَذَهَا فَقَالَ: "مَا أَنَا بِتَارِكِكِ حَتَّى أَذْهَبَ بِكِ إِلَى النَّبِيِّ e" فَقَالَتْ: "إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيْئًا آيَةَ الْكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا فِي بَيْتِكَ فَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَلاَ غَيْرُهُ". قَالَ: فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ e فَقَالَ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ" قَالَ: فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَتْ. قَالَ: "صَدَقَتْ وَهِيَ كَذُوبٌ". ولأبي هريرة قصة مشابهة مع الشيطان، وقد تمثل الشيطان لعدد آخر من الصحابة في قصة مشابهة لقصة أبي أيوب الأنصاري، فقد تمثل لكل من أبي هريرة، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبي أسيد الساعدي، وأُبي بن كعب y.
ويتمثل الشيطان في صورة الإنسان ليكذب ويفرق بين الناس. فعَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسعودِ قَاَل: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنْ الْكَذِبِ فَيَتَفَرَّقُونَ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ سَمِعْتُ رَجُلاً أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلاَ أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ"
وتَمَثُل الشيطان في صورة تتراءى للناس قدرةً أعطاها اللهُ لجنس الجن سواء كفارًا كانوا أو عصاة وهم الشياطين، أو كانوا مسلمين، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خَيْبَرَ فَاتَّبَعَهُ رَجُلانِ؛ وَآخَرُ يَتْلُوهُمَا يَقُولُ ارْجِعَا ارْجِعَا حَتَّى رَدَّهُمَا، ثُمَّ لَحِقَ الأَوَّلَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ شَيْطَانَانِ وَإِنِّي لَمْ أَزَلْ بِهِمَا حَتَّى رَدَدْتُهُمَا، فَإِذَا أَتَيْـتَ رَسُولَ اللَّهِ e فَأَقْرِئْهُ السَّلاَمَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّا هَاهُنَا فِي جَمْعِ صَدَقَاتِنَا، وَلَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ لَهُ لَبَعَثْنَا بِهَا إِلَيْهِ، قَالَ فَلَمَّا قَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَ النَّبِيَّ e ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ e عَنْ الْخَلْوَةِ.
وكذلك تتصور في صورة الكلاب فقد صح حديث النبي e أن الأسود من الكلاب شيطان. فعن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ". والمعنى؛ حمله بعضهم على ظاهره؛ وقال: إن الشيطان يتصور بصورة الكلاب السود وقيل؛ لما كان الأسود أشد ضررًا من غيره، وأشد ترويعًا، كان المصلي إذا رآه أشغل عن صلاته فانقطعت عليه لذلك.
وتتشكل الشياطين في صورة حياتٍ في البيوت، ويُسمين العوامر؛ فعن أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلاتَهُ فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ فَوَثَبْتُ لأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: "أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ"؟ فَقُلْتُ: "نَعَمْ". قَالَ: "كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ" قَالَ: "فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e إِلَى الْخَنْدَقِ فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ e بِأَنْصَافِ النَّهَارِ فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ. فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ e: "خُذْ عَلَيْكَ سِلاحَكَ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ". فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلاحَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعنَهَا بِهِ وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ. فَقَالَتْ: "لَهُ اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ وَادْخُلْ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي". فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ. فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْحَيَّةُ أَمْ الْفَتَى. قَالَ فَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ وَقُلْنَا ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" قال العلماء: معناه وإذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت, ولا ممن أسلم من الجن, بل هو شيطان, فلا حرمة عليكم فاقتلوه, ولن يجعل الله له سبيلاً للانتصار عليكم بثأره, بخلاف العوامر ومن أسلم. الله أعلم. ويدل الحديث أن الجنّ، مسلمًا كان أو كافرًا شيطانًا، إذا ما تشكل في صورة ما، وتُمكن من قتله يُقتل ويموت