سبق و ان قرأت كثيرا في فلاسفة الاقدمين و المتأخرين عن فلسفة الجمال و القيم الثابتة و لكني ساطرح الان مفهوما مغايرا نوعا ما عن تعريفات الفلاسفة و المناطقة .. بروح الادب الفلسفي لا بقلم الفيلسوف المنطقي .
فالجمال في حقيقته التي لا تختلف أنما هو معنى من المعاني الحبيبة يعلق في النفس فيحدث فكرا من نوع ما متمكنا تطاوعه النفس العاشقة حتى ينطبع في أعصابها فيستولي على الانسان كله بجزء من عقله و من ثم يتقيد المحب بقيد لا فكاك منه اذ لا يجد ما ينتزعه من عقله أو ينتزع عقله منه الا ان يموت أو يصاب بالجنون .
و هو من ذلك المعنىمحتبس في قفل لو ضغطت عليه السماوات و الارض و الجبال لما تسنى و لا انكسر و ليس الا الحبيبة وحدها هي مفتاحه و مغلاقه .
بهذا يكون الجمال على مقدار ما يحسن الانسان أن يفهم منه _ اي على قدر مستواه الفكري و لاثقافي - ثم على مقدار ما يؤثر من هذا الفهم ثم على مقدار ما يثبت من هذا التأثير . و هذه هي درجاته الثلاث :
جمال تستحسنه - و جمال تعشقه - و جمال تجن به جنونا
الاول تجود به الطبيعة في أشياء كثيرة بل هو الاصل في الخلق و لكننا لا ننتبه منه الا لما نجد فيه روحا على القلب و رقة للنفس و ترفيها لها و هو خاضع للانسان و من ثم فلا سلطان له الا بعض الميل و الرغبة في النفس و منه كل مناظر الطبيعة الخلابة .
و الثاني تعلو به الطبيعةعن هذه الطبقة و تنزله منزلة أعلاقها و ذخائرها النفيسة و تتسلط به على بعض المفاهيم في النظام الانساني الفكري كما تتسلط بهذا النظام على بعضه فيحب الانسان و يسلو و يمرض بالحب ثميصنع بيده دوائه و يشرب منه السلوان و العافية .
و الثالث لا يجده من يجده الا مرة واحدة كما أنه لا يموت الا مرة واحدة فقط و هو من خواص خوارق الطبيعة التي كل نظامها أن العقل لا يعرف لها نظاما و ما هو ألا ان يصوب الانسان رأسه فاذا هو جنون الحب و اذا هو بجنونه فوق العقل و فوق المعقول .
فالمرأة المحبوبة في عين محبها أجمل من مسحت يد الله على وجهها من النساء فتركت الاثر الالهي يتسلط في سحر عينيها و طبعت المعنى الناري يتلهب في شعاع خديها و أودعت روح الجنة أمانة بين شفتيها ووصلت بين الرحمة و النفوس بذلك النور الالهي المتلأليء في ثغرها و بين النقمة و القلوب بتلك النار المستعرة من هجرها و اضافت الى النواميس النافذة في الكون فتور عينيها و تنهدات صدرها .
و يراها المحب فما يحسب الا أن قطعة من السماء قد صارت ثوبا لجسمها و أن قدرا من الاقدار قد نشأ على الارض و سمى نفسه باسمها و اذا نظر اليها علم بدلالة وجهها أنها من القمر و اذا نظرت هي اليه أعلمته بدلالة لحظها أنها من القدر .
و تسالمه فيحل السلام على العالم كله في قلبه و تغاضبه فيقع في حرب مع هذه الحياة كلها . و اذا ضاقت به الجميلة ساعة واحدة لم يبق له بالعمر استطاعة و اذا كان الهرم بالسنين الطويلة هرم في هجرها بالدقيقة و الساعة .
و يرى لو أن الجمال نفسه خلق لكانت هي محبوبته و لو جادل احدا في المحاسن لجعل جمالها دليلا على قوله . فهي تقبل بوجهها الفتان كما تقبل السعادة بالامل الوسيم و تختال بمعانيها النسائية كما تهب روائح الازهار في النسيم رفافة على الحب كانها خلقت في جنة الحب ريحانة مسكرة للعاشقين كان نهر الخمر في الجنة جعل فمها لهذا العاشق حانة صافية يترقرق في حسنها ماء دلالها و تشرق بالقمر الازهر من وجهها سماء جمالها و لا تشبه الا نفسها كما لا يشبهها الا ما تبدي المرأة من خيالها .
و تراه ينظر اليها و لكنه من سحر جمالها كأنه يتوهمها و يعرفها و لكنه من سطوة جلالها - و هي مرحلة متقدمة و مسيطرة على الجمال - كانه لا يفهمها . ثم تعلو فلا يشرق حسنها عليه الا كالمعنى الازلي من جانب الغيب ثم تعظم فلا يدرك ما فيها من الحقيقة السماوية الا على طريقة اهل الارض في اراك الحقائق العظمىبالايمان و الغيب .
تلك هي المحبوبة الجميلة التي لا تعرف أن كان الجمال في شخصها أو في الجزء المتصل منك بشخصها او في الذي هو متصل بك من شخصها . فهي جميلة من ناحيتك و من ناحيتها و مما بينهما . و هذا هو الذي يجعلها فوق الجمال الانساني بطبقتين لا تسمو امرأة الى واحدة منهما و يجعلك ترى ما فيها من الابهام جمالا لا تفسير له و ما فيها من التفسير جمالا مبهما . فكأنها في كل دائرة مرسومة من الفكر لا يهديك البحث الى موضع طرفيها و هي محيطة بروحك من ثلاث جهات : فلم يبق الا الجهة التي تتصل روحك منها بيد الله . و هذا هو موضع التأليه في الجمال المعشوق اذ لا يدعك الحب معه الا بين شيئين اثنين : الحبيبة و لاخالق .
و الان أيها الغوالي أن صدري ليزفر بهذه الابيات و ان لها لغمزا على فؤادي لا يسكن و أني لارتعش بها كأن في كل بيت منها نوعا من انواع الحمى .. هي من الزمن الماضي تتلو علي أيات الذكرى الجميلة التي تبكي و تضحك في وقت واحد و بقلب واحد - فلا استطيع الاستمرار فيما بدأت به :
ليت الصبا يعود لي بما مضى
ألهو و ألعب و بالطفولة أعذرا
و اراكي جاثمة بقربي و ترتوي
بحضن صبي و بلعبه قد جرى
لا يعرف *****س مني و منك غاية
و لا تبلغ الاجساد منا حد الذرى
هو الحب العفيف ان شئتي فسمه
أو اقتلي ذاك الصبي قبل ان يكبرا