ركبت عائلة أبو أحمد الطائرة التي كانت متجهة إلى روما لقضاء الإجازة الصيفية هناك. أبو أحمد شخصية دبلوماسية معروفة، كان يضم بجانب حزمه ولباقته في العمل حبه لعائلته وحرصه المستمر لتقديم كل ما يستطيع من أجل إسعادهم. كانت عائلته في الطائرة تضم زوجته أم أحمد وابنتيها رغد وروان وابنة زوجها الكبرى ريم التي كانت من أم لبنانية الأصل ( فرنسية *****ية)، تزوجها أبو أحمد في إحدى جولاته الدبلوماسية إلى لبنان. ريم وهي ذات السبعة عشر ربيعا أنهت دراستها الثانوية وهي الآن تستعد لدخول الجامعة في الفصل القادم. كانت هذه الرحلة من أجلها لحصولها على نسبة مرتفعة برغم كل الظروف التي واجهتها في فترة الاختبارات ومنها انفصال والديها ورغبة أمها في أخذها معها إلى فرنسا لتكملة دراستها هناك، ووفاة ابن خالتها في إحدى راليات السيارات التي شارك فيها قبل شهرين وكان صديق طفولتها الحميم والأخ المقرب لديها الذي طالما تقاسما أسرارهما معا. لذلك أحب والدها أن يغير من نفسيتها المكتئبة ويأخذها إلى روما لتولعها الشديد بها منذ صغرها.
وصلت الطائرة إلى روما، وانتقلت عائلة أبو أحمد إلى شقتهم هناك. لأول مرة تنزل ريم وأخواتها إلى روما لأنهم في العادة يقضون إجازتهم الصيفية في لندن. كانت الشقة فخمة جدا وتصميمها أكثر من رائع، لذلك ارتاحت العائلة كثيرا لوجودهم هناك. وبدأت أحوال ريم تتحسن قليلا عن قبل وبدأت الابتسامة تعود إلى وجهها شيئا فشيئا. كانت هي وأخواتها يخرجن للتسوق هناك كل مساء.
وفي يوم من أيام روما الجميلة، دخلن إلى إحدى المراكز التجارية فانشدت ريم إلى أحد المحلات الذي يضم لوحات فنية جميلة فدخلت هناك، أما رغد وروان ففضلن الدخول إلى أحد محلات الملابس الجاهزة. اندهشت ريم من ذلك الجمال العجيب في تلك اللوحات وكأنها لأول مرة ترى لوحات كهذه، طافت المحل بأسره وهي مشدودة الانتباه لروعتها. قطع تجوالها صوت أختيها وهن يطلبن منها الذهاب إلى البيت لتأخر الوقت. ومن عجلتها نسيت حقيبة يدها على إحدى طاولات المحل ولم تتذكرها. رأت ريم أخواتها وذهبت إليهن، فسمعت صوتا يناديها : آنسة ريم، التفت الأخوات الثلاث حيث الصوت. كان هناك شاب وسيم يبدو من ملامحه أنه من الخليج وبيده حقيبة يد نسائية. فتذكرت ريم حينها حقيبتها وابتسمت ابتسامة خفيفة، اقترب منها الشاب فقال: أظنك قد نسيتي حقيبتك، فردت عليه: نعم أشكرك أخي، قال لها: العفو واعذريني لأنني ناديت اسمك لكنني سمعت صوت أخواتك وهن ينادينك بريم، قالت: لا عليك وشكرته مرة أخرى وانصرفت مع أخواتها وهو واقف مكانه مندهش بذلك الجمال العجيب الذي رآه وكلمه قبل قليل. ولكن ريم لم تنتبه له كثيرا بالرغم من أن أختيها قد جذبهن وسامته وذوقه الجميل في اختيار ما يلبس، حتى رغد ذات الخمسة عشر ربيعا قالت لروان ذات العشر سنوات أظنه يرتدي ملابس من أرماني، آه لقد شدتني سترته السوداء الجميلة فعلا أنه متذوق جميل للماركات الرائعة. استغربت ريم من كلام أختها ولكن هذا الاستغراب زال سريعا لعلمها بتلوع رغد للماركات العالمية للملابس. وقالت لها: يكفي يا أستاذة أرماني، دعي الشاب وملابسه عنك الآن وهيا لنرى السائق عند بوابة المركز. ذهبت الفتيات إلى البوابة الرئيسية ولكنهن لم يجدن أحدا بانتظارهن، فاتصلت ريم بالسائق وأخبرها بأنه سيحضر لاصطحابهن بعد قليل.
وفي لحظات انتظارهن جاء ذلك الشاب مرة أخرى وعرض عليهن المساعدة ، شكرته ريم وأخبرته بأن السائق سيأتي بعد قليل، قال الشاب: حسنا سأنتظره معكن إن لم يكن لديكن مانع بالطبع ! استغربت ريم من موقفه، أما روان فأجابت سريعا: تفضل ، سوف تسلينا على الأقل حتى مجيئه.
قال الشاب : اسمي غسان وأنا من الرياض وأتيت مع عائلتي لقضاء الصيف هنا، أجابت روان: ونحن من الكويت وجئنا لنفس السبب هنا. وما هي إلا دقائق حتى جاء السائق، فودعن غسان، ولم يفته الأمر حيث أعطى لروان بطاقة تحمل اسمه وأرقامه في روما والرياض وأوصاها أن تعطيها لريم. ذهبت الفتيات وغسان سارح للمرة الثانية بريم الجميلة.
تذكرت روان بطاقة غسان وذهبت لريم وأوصتها بأن تحتفظ بها لأن غسان طلب منها ذلك، لم تعرها ريم انتباهها، وضعت روان البطاقة على الطاولة وذهبت غاضبة لأن ريم لم ترد عليها.
شردت ريم مع غسان واستنكرت ما فعله بإعطائه أرقام هواتفه لأختها الصغيرة ولكنها قطعت تفكيرها وحاولت تجاهل هذا الأمر.
قضت الأسرة أول أسبوع لها في روما، كانوا يخرجون لزيارة المعالم الأثرية والمتاحف وقت الصباح أما في المساء فتذهب الفتيات للتسوق.
وعند بداية الأسبوع الثاني أخبر أبو أحمد عائلته بأنه قد رأى صديقا له من الرياض هنا في روما وطلب منه أن يقضون معا وقتا جميلا يوما ما حينما تتسنى لهم الفرصة. فرحت رغد وروان بذلك أما ريم وهي الأنطوائية لا تحب هذه الجلسات، فكرت كثيرا ولكنها لم تستطع رفض طلب أبيها.
اتفق أبو أحمد مع صديقه أن يجتمعوا للغداء في وسط هذا الأسبوع في منزله. ذهب أبو أحمد وعائلته إلى هناك وتعرفت أم أحمد وبناتها على أم غسان الذي لديها ولد وحيد آلا وهو غسان. هذا غسان طبعا الذي تعرف على الفتيات فانصدمن جميعا من المفاجأة غير المتوقعة، وأيضا غسان تفاجأ عندما رأى ريم في منزلهم وفرح كثيرا لأن والدها صديق مقرب جدا لوالده. أمضت العائلتين وقتا جميلا ذلك اليوم وكان غسان لا يشغله في تلك الجلسة إلا ريم وكيفية التقرب منها، وسنحت له الفرصة عندما أخبره أبو أحمد أن الفتيات يرغبن في زيارة ساحة النوافير وأنه لم يتأنى له الوقت لاصطحابهن، فعرض غسان على أبو أحمد أن يقوم هو باصطحابهن لعلمه بالمكان فوافق أبو أحمد لوثوقه بغسان وأخلاقه العالية.
لم ينم غسان تلك الليلة وهو في انتظار الصباح ليرى ريم ويصطحبها في أجمل جولة قام بها منذ زمن.
في صبا ح اليوم التالي، مر غسان على ريم وأختيها وذهبوا معا إلى ساحة النوافير، كانت ساحة واسعة جميلة ينتشر فيه االكثير من البائعين والرسامين، وهناك أيضا الآثار الرومانية وعصر القيصر، سرت الفتيات كثيرا بجمال ذلك المكان وأخذن بالتجول هناك. انجذبت ريم لتلك اللوحات الزيتية الجميلة المعروضة هناك والاسكيتشات التي يرسمها الرسامين للسياح. اقترب منها غسان وقال: أن أجمل أنواع الرسم الطبيعي الكلاسيكي تلاقينه في ايطاليا وروما على وجه التحديد، فأجابته: شكرا على المعلومة لكني كنت أعلمها من قبل، نظر إليها باستغراب وابتسم في داخله لأنه يعلم بأنه كان ثقيلا بعض الشيء لتطفله بكل شيء تحبه.
ذهبت ريم إلى أحد الرسامين ليأخذ لها اسكتش بسيط، بهر الرسام من جمالها وعرف من طريقة لباسها بأنها عربية وقال لها:
You have the graceful Arabian look
احمر وجه ريم وشكرته على مجاملته اللطيفة لها، أخذ الرسام يأخذ لها رسمة تقريبية، وغسان ينظر بكل حنان لتلك الطفلة التي سلبته قلبه من أول ما رآها. انتهى الرسام وسرت ريم كثيرا باللوحة وشكرته عليها:
Very nice….. you made me beautifulفأجابها الرسام :
You are beautiful more zan zis ( than this
أخجلها مجددا وقالت:
Thank you sir
وأخذا لوحتها وغسان ينظر إليها كملاك جميل نزل على أرض روما.
انتهت الفتيات من جولتهن وسألهن إن كن يردن الذهاب إلى حفلة أوبرا أو السوبرانو حيث الأصوات القوية الرائعة. ولكنهن اكتفين بالساحة لذلك اليوم وطلبن منه الذهاب إلى مطعم قريب لتناول الغداء.
فطلب منهن أن يأخذوا الطريق إلى أحد المطاعم المكشوفة في إحدى الساحات المشهورة هناك سيرا على الأقدام لأنها ليست بعيدة جدا، فوافقن على طلبه.
ذهبوا إلى هناك وقد قصروا المسافة بالكلام المتبادل بين غسان ورغد وروان، لأن ريم كانت هادئة جدا ولم تجد ما تشاركه معهم من كلام.
وصلوا إلى المطعم وتناولوا الغداء، وفي الطريق إلى السيارة رأى غسان محل لبيع الورود فذهب ليشتري لريم باقة من هناك، أخذ لها باقة من زهور الديزي الأصفر فشكرته على ذوقه الجميل في الاختيار.
فرحت رغد وروان لأن ريم بدأت تلطف من معاملتها مع غسان المهذب الذي شعرن بأنه يحاول التقرب إليها كثيرا ولكنها لا تعره انتباهها في كل مرة.
أوصل غسان ريم وأختيها إلى شقتهم ولم ينسين أن يشكرنه على اليوم الممتع الذي قضينه هذا الصباح برفقته. ذهبت ريم إلى غرفتها وهي مرتاحة جدا ليومها الجميل، وأحست بداخلها إحساسا غريبا تجاه غسان لا تعلم ما هو. شعرت كم هو لطيف ويحسن معاملتها ويود أن يبقى بقربها كثيرا، ولكنها في المقابل كانت قاسية معه بعض الأحيان، فهي لا تعرف فعلا كيف أن تعامله أفضل من ذلك.
بعد ذلك اليوم بدأ غسان يتردد عليهم كثيرا ويقضي معظم وقته مع عائلة أبو أحمد حتى تشعر ريم بوجوده وتحس بما يحمله من حب نحوها.
مرت الأيام سريعا في روما واقترب موعد الرحيل، حزنت ريم لأنها ستفارق غسان ولن تراه مجددا بعدما أعطاها أملا جديدا في الحياة بالرغم أنها لم تظهر أبدا إعجابها وتعلقها به.
فتذكرت بطاقته التي عليها أرقام هواتفه، فكرت أن تتصل به، لكن ماذا عساها أن تقول ، أنا معجبة بك، إنها ليست جيدة في حقها، فكرت أن تشكره على وقته الذي قضاه معها وعائلتها، حيلة ذكية فعلا. أخذت الهاتف واتصلت به وهي تحاول أن تخفف من دقات قلبها المتقاربة رفع السماعة فسلمت عليه، فعرفها من صوتها الذي تلين له أصلب الحجارة، فشكرها على اتصالها به ولم يعطها فرصة للكلام وكأنه كتاب فتحته الريح وأصر على أن يخرج كل ما بداخله الذي أتعبه منذ زمن. أخبرها بحبه من أول لحظة رآه فيها وكيف هو متعلق بها ولا يعلم ماذا يفعل لكي لا يفترقا بعد هذه الإجازة. وأنه قد فاتح والده بأمر خطبتها وقد ناقش والده بالفعل والدها بهذا الأمر وطلب منه أن يعطيه مهلة ليسألها.
لم تصدق ريم ما سمعته وسألته كيف أحبها بهذه السرعة وجاءت فكرة الزواج منها في فترة لم تتعد ى الشهر منذ أن رآها.
رد عليها بدون تفكير: اسألي قلبي وهو يخبرك لكن رويدا رويدا عليه فهو لا يتحمل كهذه الأسئلة منك أبدا.
وسألها : هل توافقين علي يا ريم؟
فاجأها بسؤاله، سكتت قليلا، قالت: إن لم يكن لديك مانع بالطبع
فرح بكلامها وشكرها على مشاعرها نحوه، أخبرها بأن مجرد وصولهم للخليج سينهون إجراءات الخطوبة سريعا وسينتظرها لتكمل دراستها ليهديها هدية زواجهم بقضاء شهر عسل في روما التي جمعتهما بحب سويا.
تحياتى بودى
م ن و ق ل