أخذ الطفل الصغير يتأمل الرجل الماثل أمامه والذى راح يصنع التماثيل 00 وسأل الطفل الرجل : ماذا تصنع يا أبى ؟ فأجابه الأب فى هدوء قائلاً : أصنع تماثيل الآلهة يا بنى 00 كان الطفل ذو عقل ذكى وحكيم منذ صغره ولم يتقبل هذا الرد 000 تماثيل الآلهة ؟ .
كيف يكون التمثال المصنوع من حجارة لا يتكلم ولا يتحرك ولا يستطيع الدفاع عن نفسه حين نحطمه 00 كيف يكون إلهاً إنه منطق عجيب أن هؤلاء القوم فى جهل شديد 00 وظل الطفل يرفض هذه التماثيل وبدأت السنين تمر والطفل يكبر ويكبر معه رفضه لعبادة الأصنام 00 لم يكن هذا الفتى سوى نبى الله إبراهيم عليه السلام والذى كان لا يقبل فكرة تعدد الآلهة 00 وكان يحدث نفسه كيف أعبد إلهاً وأترك غيره دون عبادة ؟ نعم 00 كيف يكون هناك أكـثر من إله واحد بهذا الكون ؟ أى إله نعبد ؟ كلا 00 لابد أن لهذا الكون الواسع الفسيح إله واحد هو الذى صنـعه وخلقنا جميعاً 00 أليس كذلك ؟ كان إبراهيم يحدث نفسه .
- إذا عبدت إلهاً وتركت آخر سيغضب علىّ الآخرون وربما ستغضب بقية الآلهة 00 كلا لا يمكن أن تتعدد الآلهة 00
وذات ليلة نهض إبراهيم من فراشه وسار وحده فى الليل إلى أن وصل إلى كهف فى الجبل 00 كان يريد أن يبقى وحده فى سكون الليل يتأمل ويشاهد كل شئ حوله 00 كان يريد أن يبحث عن إله هذا الكون 00 إنه يسعى إلى معرفة الله عز وجل 00
جلس إبراهيم إلى جوار الكهف وراح يتأمل السماء حتى رأى كوكباً فقال هذا ربى 00 ولكنه فى الصباح اكتشف أن الكوكب قد اختفى 00 فقـال لا أحب الآفلين أى الإله الذى يختفى 00 وهكذا ضاع الأمل فى اكتشاف الإله الذى يبحث عنه إبراهيم 00 كان يظن أن الكوكب الذى يلمع فى السماء هو الإله ولكنه لم يكن كذلك 00 وعاد نبى الله يبحث مرة أخرى عن الإله 00 وفى ليلة أخرى رأى القمر بازغاً مضيئاً فقال : هذا ربى 00 كان إبراهيم يريد تلقين قومه درساً وهو أن الإله موجود دائماً ولا يختفى مع الأيام وتغيير الفصول 00 ولكن القمر اختفى هو الآخر 00 كيف يعبد رباً يختفى ثم يظهر ؟ هذا خطأ 00 إذ ليس من المعقول أن يختفى الإله 0 فالإله دائماً موجود 00 نشعر بوجوده أينما كنا وفى أى مكان أو زمان 00 نعم فالإله الحق لا يختفى 00 إذن ليس القمر هو الإله 00 فليبحث عن إله آخر . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى 00 هذا أكبر ، فلما أفلت قال :
] يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ[ (1)
الشمس أيضاً تختفى ثم تظهر 00 ليست الشمس إله 00 نعم 00 ليس من الممكن أن يكون الإله مضيئاً بالنهار ثم يختفى فى الليل 00 كلا 00 الإله موجود فى كل وقت وزمان 00 وراح إبراهيم يحدث نفسه بقوله :
إن الشمس كبيرة ولكنها مخلوق كأى مخلوق 00 والله أكبر كيف يعبد الشمس وهى تختفى مع الغروب ؟ وهكذا أعلن إبراهيم براءته من عبادة النجوم والكواكب ووجه وجهه لله عز وجل وليس مشركاً مثل قومه .
وهكذا توصل إبراهيم عليه السلام إلى الحق بعد أن بحث وتأمل وفكر 00 وعرف أن الله واحد أحد 00 نعم لقد وصل بعقله إلى وجود الله عز وجل وأدرك أن الأصنام والشمس والقمر والنجوم والكواكب كلها مخلوقات وليست آلهة 00 وذات يوم كان هناك احتفالاً بعيداً عن المدينة انصرف إليه أهل قومه جميعاً وخلت المدينة وبقى إبراهيم فيها فلم يذهب معهم ، ثم خرج واتجه إلى المعبد 00 ترى ماذا سيفعل ؟ هيا بنا ننتقل مع سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى المعبد لنتعرف على ما سيحدث هناك 00
كان المعبد مليئاً بالتماثيل والأصنام الكبيرة والصغيرة 00 وصل إبراهيم إلى المعبد وراح يتأمل التماثيل التى يعبدها أهل قومه وأخذ يحدثها ولكنها لم تجبه وصاح فيهم إبراهيم : ما لكم لا تنطقون ؟ ثم رفع يده بالفأس وراح يحطم التماثيل كلها ماعدا صنم كبير وعلق الفأس فى رقبته ثم خرج من المعبد . ترى لماذا فعل إبراهيم عليه السلام ذلك ؟
إنه أراد أن يلقن قومه درساً لا ينسوه . لقد عاد الناس إلى المدينة بعد نهاية الاحتفال ودخل أحدهم إلى المعبد ورأى ما حدث وصاح فى قومه : لابد أن إبراهيم فعل هذا بآلهتنا 00 وأمر الحاكم بإحضار إبراهيم 00 ودار نقاش طويل 00 جاء إبراهيم وسألوه : ] أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ[ (1)
أجاب إبراهيم فى هدوء يشير إلى الصنم الكبير :
] قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ[ (2) .
أى أن الذى حطم التماثيل هو الصنم الضخم كبير الآلهة والذى علق إبراهيم الفأس على رقبته من قبل 00 وطلب منهم أن يسألوا الأصنام 00 فقال أحدهم : أنت تعرف أن الآلة لا تنطق .
هنا صاح إبراهيم بقوله : وكيف تعبدون ما لا ينطق ولا ينفع ولا يضر 00 أين ذهبت عقولكم ؟ لم يرق للكافرين رأى إبراهيم 00 وهنا قرر القوم أن يحرقوا إبراهيم لينتقموا للآلهة أى الأصنام 00 يا لهم من قوم جاهلين 00 وبدأ إعداد المحرقة والاستعداد لحرق إبراهيم وجاء الناس من كل بقاع المدينة ليشهدوا هذه المحاكمة الرهيبة 00 حفروا حفرة عميقة وملأوها بالأخشاب والأشجار وأشعلوا النار وتصاعد اللهب فى السماء وقيدوا إبراهيم استعداداً لإلقاءه فى الحفرة . إنه مشهد رهيب وبشع 00 إنسان يستعد للاحتراق ومجموعة كبيرة من الناس تقف لمشاهدة ما يحدث 00 يا له من أمر بشع 00 ولكن هل يتخلى الله عز وجل عن نبيه ؟ كلا بالطبع فقد جاء الملك جبريل عليه السلام وهو أحد الملائكة الكرام ووقف عند إبراهيم وسأله : يا إبراهيم 00 ألك حاجة ؟ أى أتريد شيئاً ؟ إنها فرصة عظيمة 00 لقد جاءه جبريل يسأله عن حاجته ليلبى طلبه 00 أجابه إبراهيم بقوله : أما إليك فلا 00 وكان إبراهيم يقصد أن حاجته إلى الله تبارك وتعالى ، ولا ينتظر شيئاً من أى مخلوق حتى الملائكة 00 إنه فقط يطلب ما يحتاجه من الله عز وجل فهو خير معين 00 وألقوا به الكفار فى الحفرة 00 فماذا حدث ؟
لقد سقط إبراهيم وسط النيران بعد أن رفض أن يطلب من جبريل المساعدة والعون 00 ولكن فجأة حدث شئ رهيب 00 لقد أصدر الله عز وجل أمره إلى النار 00 ] يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[ (1) 00 ولم يقل جل جلاله برداً فقط بل وسلاماً أيضاً حتى لا يتجمد من البرد 000 وهكذا أنقذ الله تبارك وتعالى نبيه من أيدى الكفار الظالمين 000 لم تمس النار إبراهيم بسوء وبهت الجميع مما رأوا حين وجدوا إبراهيم يخرج من الحفرة سليماً كما دخل 00 وقال له ربه عز وجل : إسلم قال : أسلمت لرب العالمين .
وهكذا أسلم إبراهيم لله عز وجل بعد أن أنقذه من موت محقق وصار إبراهيم عليه السلام نبى الله 00
ذات يوم التقى إبراهيم بأحد الملوك الذى يعتقد أنه إله وكان قومه يعبدونه من دون الله عز وجل فقال له إبراهيم : ربى الذى يحيى ويميت . فأجابه الرجل : أنا أحيى وأميت . فماذا كان يقصد بهذا القول ؟ كان يقصد أنه إذا أمر بقتل شخص ما فإنه أماته وإذا أمر بتركه ليحيا فإنه أحياه 00 مجرد نظرة ساذجة للحياة والموت فإن الله عز وجل يخلق من العدم ويميت الحى ويحيى الميت بعد موته ويخلق ما لا نعلم 00 سبحانه قادر على كل شئ .
ولذا أتى إبراهيم للملك الكافر بحجة أخرى 00 حجة لا يستطيع بعدها أى مجادلة أو عناد 00 قال له : فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب 00 فبهت الذى كفر 00 ولم يستطع الرجل أن يجادل إبراهيم فى هذا 00 كيف يجعل الشمس تشرق من المغرب ؟ وانتهى الجدال 00 وبعد ذلك راح إبراهيم يدعو قومه إلى عبادة الله وآمنت بدعوته إمرأة تسمى سارة وقد تزوجها فيما بعد 00 واستمر إبراهيم يدعو القوم إلى عبادة رب العزة عز وجل 00 وذات يوم قرر إبراهيم أمراً 00 فقد قرر إبراهيم الهجرة وذهب إلى عدة بلاد وظل يدعو الناس إلى عبادة الله ويهديهم إلى الحق 00 وكانت زوجته سارة لا تلد وكانت هناك سيدة فى خدمتها إسمها (هاجر) وقررت سارة تزويج سيدنا إبراهيم من هاجر وولدت هاجر ابنها الأول إسماعيل عليه السلام .
كبر إسماعيل وتعلق به قلب إبراهيم 00 وذات يوم حدث أمر عجيب 00 فقد جاء إبراهيم إلى ولده ليقول له :
] يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَــــامِ أَنِّي أَذْبَحُــكَ فَانظُـرْ مَـــاذَا تَرَى [(1) أى أن إبراهيم يرى فى حلمه أنه يذبح ابنه 00 إنه حلم 00 مجرد حلم 00 ولكن هناك نقطة هامة وهى أن حلم نبى الله ليس حلماً عادياً 00 إن رؤيا الأنبياء حق 00 إنه ليس حلم كأحلامنا العادية بل هى رؤيا مباركة هذا وحى من الله أن يذبح إبراهيم ولده الوحيد 00 كان إبراهيم يحب ولده كثيراً ولكنه لا يستطيع أن يخالف أوامر الله .
أجابه إسماعيل بقوله : ] قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ[ (2) . لقد أطاع إسماعيل أيضاً أمر الله عز وجل 00 إنه يعرف أن أبيه سيذبحه ومع ذلك فهو صابر على ما سيحدث له .
قمة الإيمان والاقتناع بقضاء الله وقدره إنسان يعرف أن أباه سيذبحه ورغم ذلك فهو يطيع أمر الله دون أى مجادلة 00 ولكن كان هذا اختبار من الله عز وجل لإبراهيم وولده إسماعيل 00 فماذا حدث بعد ذلك ؟
لقد هم إبراهيم بذبح ولده ورقد إسماعيل على الأرض ووجهه فى الأرض حتى لا يرى نفسه وهو يُذبح 00 واتسعت ابتسامة إبليس وهو يرى هذا المشهد 00 ها قد جاءت اللحظة الحاسمة وسيقتل إبراهيم ولده 00 كان إبراهيم حزيناً على ولده ولكن أمر الله مطاع 00 ورفع إبراهيم يده بالسكين 00 عند هذه اللحظة نادى الله إبراهيم 00 نعم 00 لقد أراد الله عز وجل أن ينقذ إسماعيل من موت محقق كما أنقد من قبل إبراهيم ونجاه من النار 00 وطلب الله من إبراهيم أن يذبح كبش بدلاً من ذبح إسماعيل .
وهكذا فدى الله إسماعيل بذبح عظيم 00 بعد أن أمر الله إبراهيم أن يذبح كبشاً بدلاً من إسماعيل وصار ذلك اليوم عيداً للمسلمين 00 نعم إنه عيد الأضحى الذى تذبح فيه الذبائح ونحتفل به 000 وهنا نعرف سر تضحيتنا فى عيد الأضحى .
وهكذا عاد إبليس يبكى مرة أخرى بدموع المرارة والألم واليأس 00 لقد فشل فى مهمته ولم يقتل إبراهيم ولده كما كان يتمنى 00 وتعلمنا هذه القصة طاعة الله عز وجل والامتثال لأوامره وذكره وشكره وحسن عبادته 000 كما نتعلم منها طاعة الآباء واحترامهم 000 كما تعلمنا أيضاً أن الله عز وجل دائماً مع عباده المؤمنين المخلصين الصابرين ولن يتخلى عنهم أبداً .
